حسن بن موسى القادري
167
شرح حكم الشيخ الأكبر
فلو علم الكفار بسعة رحمته لما يأسوا من دخول جنته ، ولو عرف المسلمون بنقمته لما طمعوا في دخول جنته ، ويتولد من اجتماع الأسماء بعضها مع بعض مطلقا الأسماء الغير المتناهية ، ولكل منها مظاهر علما وعينا . و ( العالمين ) جمع عالم من العلامة ، وهي عبارة عمّا يعلم به الشيء ، واصطلاحا كل ما سوى اللّه تعالى ؛ إذ به يعلم الحق تعالى من حيث أسمائه وصفاته ، فإن لكلّ فرد من أفراد العالم يعلم به اسم من الأسماء الإلهية وهو مظهر له بخصوصه ، ولا فرق في هذا بين المستحقرات بالنظر إلى العوام وغيرها ، ومن هناك تفاوت في خلق الرحمن ، وكل اسم مشتمل على الذات ، وهي جامعة للأسماء كلها ، فكل فرد منها علامة يعلم به جميع الأسماء كالعالم يعلم به جميع الأسماء ، فالعوالم صارت غير متناهية بالاعتبار المذكور لكن انحصاروها في خمسة باعتبار أن الحضرات خمسة ، ولكلّ حضرة عالم كلي جامع لما عداها ، فالحضرة الأولى الغيب المطلق المشتمل على غيوب كل ما في العالم وعالمها الأعيان الثابتة المسمّاة بالحقائق والإلهمات الممكنة . ويقال : عالم الأعيان ، وعالم الغيب المطلق « 1 » .
--> ( 1 ) قال ابن ناصر الكيلاني : فاعلم أن العالم عالمان ا ثم ثالث عالم يدركه الحس وهو المعبر عنه بالشهادة وعالم لا يدركه الحس وهو المعبر عنه بعالم الغيب المطلق فإن كان مغيبا في وقت للحس فلا يسمى ذلك غيبا ، وإنما الغيب ما لا يمكن أن يدركه الحس أصلا لكن يعقل بالعقل إما بالدليل القاطع وإما بالخبر الصادق وهو إدراك الإيمان فالشهادة مدركها الحس وهو طريق العلم ما هو عين العلم وذلك يختص بكل ما سوي اللّه ممن له إدراك حسي والغيب مدرك العلم عينه فافهم . فهذا الغيب الذي أثبتناه هو الغيب المطلق الحقيقي الذي لا يظهر لأحد أصلا ولا لمن ارتضى من رسول لأنه حضرة ذاته وهويته تعالت وتقدست عن أن يحاط وأن يتعلق بها الإدراك أصلا من حيث هي هي ، فإنه من المتفق عليه أن حقيقته لا تحاط بالعلم ولا تتقيد بالوصف ، سبحانك ما عرفناك حق معرفتك وهذا القدر من المعرفة المتعلقة بهذا الغيب المطلق إنما هي معرفة إجمالية حاصلة بالكشف الأجلي والتعريف الإلهي الأعلى الذي لا واسطة فيه غير نفس التجلي المتعين من هذه الحضرة الغيبية المطلقة الغير المتعينة فالغيب المتعلق صار دليلا على الغيب المطلق لأنه الأصل ، فالمتعين منه دليل عليه من حيث غير منعتين فكان هو الدليل والمدلول قال تعالى إشارة إلى هذا المقام أي الغيب المتعين المقيد عالم الغيب فلا يظهر على عيبه أحدا : إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً [ الجن : 27 ] . -